هذه الدراسة لروايتي روح هائمة كتبها الناقد محمد قطب ونشرت بكتاب مؤتمر إقليم القناة وسيناء الثقافي عام 1995 ا، والكتاب احتوى دراسات أخرى عن الرواية والقصة والشعر والمسرح ، لأدباء من سيناء ومحافظات القناة .
دراسة لرواية روح هائمة لسعيد رمضان
بقلم الناقد محمد قطب
——————
( ،…… ورواية روح هائمة للأستاذ سعيد رمضان يكمن فيها هذا الاشتباك بين الرجل المرأة بصورة واضحة أيضا .. ومع إنها رواية رومانسية الطابع والأداء إلا إنها تكشف عن أبعاد المرأة’ في قوتها ونفاذ تأثيرها وصــــبرها على تشكيل الرجل تشكيلا يتلاءم مع فكرها ومنهجها في الحياة ….
وهى تسعى إلى ذلك بنعومة وبأساليب غاية في الذكاء , وكأنهـــا على دراية تامة بمعالجه النفوس وقيادتها …
والقصة في موضوعها التام تذكـــرنا بروايات الرومانسيين الكــــبار في الأدب المصري وهـــم يتناولون الشـــــــعور الـــفردي في مواجهه هيمنة المال والطبقة ألاجتماعيه
ولقد شاءت الأقدار إن يعيش نور بطل الرواية في بيــــــت الباشا واسع الثراء والغنى .. وفاضت مشاعره بالوحدة والحزن والمعاناة وهو لا يســــــتطيع أن يصرف عن الذهن إحساسه بالفقر والتدني ,.
ولا أن يبعد عن وجدانه الذي يتكون شيئا فشيئا معاملات السادة التي تستقر في مخزون الوعي لديه وتشكيل الحياة فيما بعد .. ومع إن الباشا يغـــــدق عليه وعلى أمه التي تعمل خادمه لديه .. إلا إن الولد لا يجد في طفولته وصبــــــاه إلا هذا البستاني الطيب يبثه همومه وأحزانه ويطرح عليه تساؤلاته في ظل غياب ألام وموت الأب وافتقاده إلى علاقات مع الآخرين :
( لم يحاول أبدا من جانبه أن ينشىء علاقة جديه مع الآخرين )
وكان المكان المفضل لسيره هـــــو المكان الخالي والمعتم بيـــن الأشجار وسور الفيلا ….. ويبدأ التقارب بين الفتى وبين جى ابنه الباشا بعـــــد عودتـــها من الدراسة الخارج .. وكانت جى واعية وعالية الإدراك .. وكانت قادرة على رســـــم المنهج الذي تؤمن به .. ولقد بثت إلى وعى نور قيما في الفكر والســــلوك ترى إنها قادرة على تعديل مساره وإنماء شخصيته .. وتوضيح إن النجـــــاح في العمل لايأتى من فراغ :
( أتعرف إن أبى لم يقم مصنع النسيج من فراغ وإنما لأنه
كان يعرف في القطن فهو يزرعه في جزء من أراضيه )
وإذا عرفنا ن شخصيه نور شخصيه اعتمادية أدركنا مدى الجهــــــد الذي بذلته الأنثى لتغير هذا النمط من السلوك والتفكير وهى تتجاوز بفـــــــكرها معوقات المنشأ الذي يسيطر عليه .. ولقد سعت بذكاء أن تأخذ موافقة الأب في مباركه المشروع الذي ينوى نور القيام به .. لقد فتحت أمامه بابا كان يظـــن انه مغلق إلى الأبد .. لقد أنارت له الطريق وحفزته على الفعل :
( أن لم تدخل من الباب الأمامي فلن تصبح شيئا مطلقا )
وأستمد منها العون وهو يعرض مشروعه على الباشا :
( نظر إلى جى فوجدها قد ابتسمت ولاح في عينيها ذلك البريق
الغريب مرة أخرى .. فأدرك انه لم يخطأ في نظرها على الأقل )
ولعلنا نلاحظ من خلال دلاله بعض الألفاظ السابقة : ك الابتسام / البريق / عدم الخطأ ….. كيف كان حريصا على إرضائها وكيف وقع تحت تأثيرها .
وإذا كان الحب قد بدا له كسمكة فضيه في قلب الظلام كما يقول النـــــــص فأن الصورة البلاغية إنما تطابق جى وتصادق على نمطها الفكري والسلوكي ,.. لقـــد حددت الأبعاد والمراقى وكشفت بنورها المتوهج الأخاديد وردمت فجوات النفس..
وحتى يكون نور على دراية بمشروعه أحضرت له كتبا ليعمق دراساته :
( لكنه أبدا لم تحضر أكداسا من الكتب .. أو كتبا بها
حشو زائد عن اللزوم .. ولم تتركه يقرأ فقط وإنما كانت
تأخذه بسيارتها لدراسات ميدانيه )
وكانت جى واعية تماما بالفارق الاجتماعي بينهما فعملت جاهدة على أن تســـد هذا الفراغ الهائل حتى صعد نور على السلم الاجتماعي وأصبح واحدا من رجـــــال الأعمال المعدودين بالمدينة .. ولم يكلفها ذلك كما تقول إلا خطوه واحدة :
( كان ثمة فرق بيني وبينك رأيته في عينيك يعذبك
كان ثمة مسافة بيننا وتفكير مختلف .. كنت أنا أعيش
داخل الفيلا وأنت خارجها .. كانت ثمة مسافة بيننا طويلة
وكان ينبغي قطعها للالتقاء )
وحين عبر نور عن امتنانه وإبداء خشيته من افتقادها وانه لا يستحقها :
( أخشى اننى لا استحقك )
انطلاقا من الإحساس بالدونية المسيطر عليه ردت عليه في ثقة :
( أنى لم انزل سوى خطوه واحده ن السلم .. أما أنت
فقد صعدت كله من أجلى )
و مع ذلك فنور لم يستطع إن يتخلص من وطأة الخوف المرضى الذي ظــل لازما له من صغره.. لقد أنشب هذا الخوف أظافره في وجدانه . الخوف من الفقر .. الخوف من الغد الخوف من فقد السعادة.. الخوف من ضياع جى منه .. لقد تحولت أحلامه – ولقد ظهر ذلك أيضا عبر الحلم الكابوس - من الرغبة العميقة في جى والاســـــتحواذ عليها إلى خوف متوحش من فقدها :
( كان يشعر بأن القدر يتربص به لحظه سعادته وشعر
بأن العذاب الذي كان يعانيه قبل إن تصرح له جى بحبها
لا يساوى شيئا بالقياس إلى ما يعانيه ألان وهو خائف ن فقدها)
وظل كامنا في لداخل هذا الإحساس بالضيعة الذي حاولت جى مرارا إن تستله منه ولقد جاء التعبير ليشي بهذه ألثنائيه التقليدية في الخطاب الرومانســـي ابن الخامة في واجه ابنه السلطان :
( قال بألم : ابن الخادمة التي تعمل في بيته )
( قالت : لا تقلها بألم .. وإنما بفخر .. نعم أنت ابن الخادمة
التي مازالت تعمل في بيته .. ذلك هو عصرنا )
ولعل الحوار يكشف عن الجانب الأنوى في هذا الاشتباك.. إنها تريد إن تجــــعله يشعر بالفخر أنه ابن الخادمة … تنزع منه هذا الإحساس
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |