توثيق : قراءة فى رواية عمرة الدار
كتبهاسعيد رمضان ، في 20 يوليو 2007 الساعة: 08:16 ص
قراءة في رواية عمرة الدار
لهويدا صالح
—————–
سعيد رمضان على
—————–
صدرت رواية عمرة الدار للروائية هويدا صالح من الهيئة العامة لقصور الثقافة 2007 بعدد صفحات ( 198 ) صفحة قطع متوسط .
تتوسع دائـرة الأحداث في الرواية وتحركات أشخاصها لتعبر عن معاناة يومية مـع متطلبات الحياة، بكـل أفراحها و مسراتها، أحـزانها و آلامها… شخـوص بسطاء يعتمـدون فى قـوتهم اليومـي على وسائـل موغلـة في القـدم مثل ( الفرن الطينى ) وطرق الخبيز القديمة والبطاطا المشوية فى جمر النار
يتمسكـون بأعرافهم المحلية في الحياة والموت، ، لدى بعضهم مرونـة البنيـات الاجتماعيـة وبساطة الحياة لكنهم يعيشون الفاقة والحرمان ، الألم والموت .. بساطة الحياة الإنسانية تظهر في التضامن الذي يشع من بين السطور ..
اعتمدت الكاتبة جملة من العناصر :
ـ الأعتماد على الشخصيات البسيطة واعتماد تلك الشخصيات للتعبير عن قضايا هامة مثل الحرية وحق الحياة والتنوير بالإضافة إلى التسامح الديني الذي ظهر واضحا جليا داخل المتن وكذا التمسك بالهوية والطقوس والتقاليد والحياة التي يعيشونها واللغــة التي تربطهم بتلك الحياة
ـ إبراز دور هؤلاء البسطاء في صنع تاريخ بلدهم ، هؤلاء المهمشين في الحياة الذين لا يعرفهم احد
ـ الإسهاب في وصف التفاصيل الجزئية، بدقة بالغة ، مما يدل على خصوبة معرفه بحياة هؤلاء البسطاء وبلسانهم وأغانيهم ( المووايل )، كأن الكاتبة تكتب سيرة حية عايشتها بكل تفاصيلها
يتصل الناس في الرواية بعلاقات حميمة وإنسانية عميقة، بكل أفراد عمرة الدار حتى الجنية داخل الفرن وأطفالها :
( لموا عيالكم النار جيالكم ) ( صفحة 33)
وكذلك بالوسط الذي يعيش الناس بداخلة ، بالهواء والماء ، بالحيوانات ، بالليل والنهار ، بالصيف والحر بالشتاء والبرد ، مما يشكل مخزون الذاكرة الجماعي لبعض الناس الذين يحيون في بساطة تامة، هـؤلاء المتشبثون بأعرافهـم التي فى اعتقادهم توفــر لهم الأمــن والاستقرار…
كاتبة فنانة تلك التي سطرت السطور ، دخلت المدارس وتدرجت في الأوساط المثقفة وحصلت على شهادات في النقد ، لكنها لم تنس هؤلاء البسطاء من الناس ، ظهرت شخصيتها في تسامحها الديني وأفكارها التنويرية داخل المتن .. لها معرفة وخبرة واسعة بشؤون الحياة، باللسان والأعراف بالثقافة.. مؤكد إنها لمست الشقاء و المحن .. اللذان لا يدعان المرأة تعيش بسلام منذ صغرها ، تعيش المرأة في عمق الظلام .. بلا ضياء ولا نجوم .. رغبتها في الارتباط بالجذور واضحة ويقينية.. بالأرض والتاريخ .. بالأعراف والتقاليد .. لكنها لاتسمح للتقليد باستعبادها ومحو وجودها .
بل ترفض بصبر غريب كل نواحي الاستعباد .. وتقاوم جرح الجسد والروح .
أما الأطفال الصغار .. فهم براءة الحياة ..يتمرغون في التراب ويلعبون وتنطق ألسنتهم بأسئلة تعجز الكبار … يرضيهم كسرة الخبز وبعض العسل من الزلعة
يغنون ويلعبون .. حاملين معهم جمال الدنيا ..
يسمعواالحديث عن الكبار وعن العادات وعن الجنيات ، لا يفهموا لها معنى
لكنهم يعشقوا الحياة ويبثوا حبا طبيعيا لانهاية له .. يبدون كالملائكة أوفياء بروحهن لطفولتهن .
في الرواية حوارات ومقاطع تكشف عن كل ذلك :
( كثيرا ما قارنت بين القنديل المعلق في سقف المقعد وقنديل أم هاشم في الحرم الزينبي . )
( أمك غلطانة. إيه يعني ولد ولا بنت ده أنتي عند جدك بكل الصبيان .
ـ بس برضو أمي زعلانة دايما من كلامها ،ثم سكتت قليلا وهي تتطلع إلي وجه جدتها الرائق وأضافت:
ـ هوه إحنا وحشين يا ستي؟ )
احتضنتها الجدة سريعا وقالت بحدة :
ـ لأ يا عين ستك أنت وإخواتك ما شاء الله ربنا يبارك فيكم بس هنقول إيه عقل نسوان فاضي .
ـ تعرفي يا ستي ناهد أختي شاطرة هيه كمان أشطر من كل ولاد عمي الصبيان حتي المدرسين دايما بيسقفوا لها، و ميرفت كمان . كلنا شاطرين .
ـ بكرة ربنا ينصفكم وينصف أمكم )
وفى الصفحة (160)
(في الصباح انشغلت بسلوى وميرفت الذاهبتين إلي الامتحان في المركز .نادت علي محمد ابنها الصغير أن يذهب إلي المقدس حنا ، سوف تركبان معه ويوصلهما لمدرسة المركز . عمر لا يطمئن عليهما إلا إذا ركبا مع المقدس الذي يناديه كل أحفاد الشيخ صالح بعمي حنا )
وغير ذلك كثير في الرواية .. وهناك توازى بين مقطع ورد فى بداية الرواية عن قنديل أم هاشم ومقطع ورد في صفحة (37) :
(. جمعت ثقافته بين علوم الشريعة وعلوم الحقيقة ، وهما وجهان لعملة واحدة، الوجه الأول ظاهر للعام والخاص أما الوجه الثاني باطن لا يطلع عليه إلا الخواص . من ينظر إلي الشيخ صالح وهو يمسك بالفأس ويعلو بها في الهواء ثم ينزل بها ، ليقطع بعض الأخشاب ليتدفأ بها أو يصنع منها أوتاداً للبهائم ، ويربط وسطه بطرف جلبابه ويعتدل من فترة لأخرى ليجفف عرقه أو يشرب بعض الماء من القلة التي يلفها بقطعة خيش يحرص علي أن تظل مبللة ، حتى تحافظ علي برودة الماء لا يصدق أنه نفس الرجل الذي يتوسط حلقة الذكر ويعلو صوته بالإنشاد بقصائد ابن الفارض أو ابن عربي .)
وهو مقطع يذكرنا بكتاب أحياء علوم الدين للإمام الغزالي ، الذي يذكر فيه الظاهر والباطن .. نذكر هذا التوازي بين المقطعين .. لأن قنديل أم هاشم يستدعى رواية يحي حقي بنفس الاسم …
فدكتور يحي حقي (إسماعيل) يبدأ رحلة علاج فاطمة بعلاج مسنود على العلم وعلى الأيمان الصحيح ، وعندما يفتح عيادة في حارة فأن العلاج يتم بالأدوية الحديثة وزيت القنديل .. اصطدم الدكتور بداية مع المعتقدات ففشل .. فتصالح معها بفهمها ، لقد أدرك الدكتور أن عمليه التغير والتنوير لاتتم بالصدام .. بل بعلم حقيقي يسنده فهم وحب ورغبه عميقة في إصلاح الأمور من اجل النهوض بالمجتمع .
وفى عمرة الدار لانرى تمردا وإنما تصالح مع الأخرين ومع الحياة لتستمر ، والتغير يكون بالعلم والأيمان وهذا مقطع هام وكاشف عن ذلك :
(ـ تعرفي يا ستي ناهد أختي شاطرة هيه كمان أشطر من كل ولاد عمي الصبيان حتى المدرسين دايما بيسقفوا لها، و ميرفت كمان . كلنا شاطرين . )
قد يفسر هذا كرغبة في احتلال مكانه هامة في الحاضر تعويضا عن التهميش الذي تم ضد المرأة في الماضي .. وذلك صحيح.. لكن مغزى المقطع الحقيقي يكمن في عمليه العلم .. وليس التصادم من اجل التغير .. العلم والأيمان والتقدير لتراث الماضي يشكلان أهم عناصر الرواية .. ولا يوجد علم مبنى على تعصب بل على التسامح وفهم الأخر.. وهذا الأخر قد يكون مسيحيا ..
ومن هنا نفهم أهمية وجود المقدس حنا في الرواية ويسجل النص وفى الصفحة (160)
(في الصباح انشغلت بسلوى وميرفت الذاهبتين إلي الامتحان في المركز .نادت علي محمد ابنها الصغير أن يذهب إلي المقدس حنا ، سوف تركبان معه ويوصلهما لمدرسة المركز . عمر لا يطمئن عليهما إلا إذا ركبا مع المقدس الذي يناديه كل أحفاد الشيخ صالح بعمي حنا )
لا يوجد مسيحي ومسلم .. بل إنسان وإنسان .. جار وجار .. هذا المقطع هام وضروري لفهم كل خلفية الرواية .. أن عمليه التنوير هي محرك السرد الرئيسي .. لكن لا يوجد تنوير بدون علم .. ولاعلم حقيقي بدون أيمان وجوهر الأيمان التسامح .والتسامح الدينى هنا كاشف .
وعبر استقطاع شريحة خاصة من حياة الناس ، معبرة عن مكوناتها وثقافتها وعاداتها ، فهي تبقى على خيط وحيد يربط بين الكل .. التنوير .. يطرح ضمنا وليس مباشرا ، من اجل تأسيس وعى مباشر وحاد وعميق بإشكاليه الأوضاع الثقافية الراهنة .. أن الرواية تطرح هذا الخيط من الصفحة الأولى للنص بذكر( قنديل أم هاشم ) وهى بطرحه ضمنيا وليس بشكل مباشر تترك مساحة كبرى للقراءة .. وتعطى للقارىء فرصة إيجاد الدلالة بنفسه .. والبنية الروائية التي لاتقوم على فصول .. تتخلخل الأبنية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في حركتها المؤثرة في التاريخ .. إنها تمتزج بأحلام الناس ورغباتهم وكافة مواقف الحياة المتنوعة ..
وإذا كان مضمون النص الروائي (عمرة الدار ) هو التنوير .. فالكاتبة بوعي تام لم تسن شفراتها وتسيل الدماء بعمليه صدام أو تمرد علنية .. بل تغوص في الباطن بوعي حاد بغية توليد أجنة للمستقبل .. لذا فهي تعطى للشخصيات أهميتها وترسم ملامحهم بشكل أمين وصادق .
وأحب أن أشير أن عالم الأسطورة لم يغلق امام الكاتبة .. لأن حسها ليس تقليديا .. بل إبداعيا يبحث عن شواطيء مجهولة .. هي تدخل إلى عالم الجن وأساطيرهم الخاصة .. إنها تندمج فيها بفعل حر وخلاق لتعبر عن القوى الكامنة في الإنسان .مما أطلق الرواية في فضاءات رحبة غير محدودة .
وكما اشرنا فبنية الرواية لا تعتمد على فصول .. فصل أول وفصل ثان .. كأنها تنفى ضمنيا الواقع الخارجي بكل أشكالياته ، ذلك الواقع الذي يقترن بفصول .. فصل الصيف أو فصل الشتاء ، أن ذلك النفى للواقع الخارجي وعدم الرغبة في مشابهته .. هو نفى ضمني لتلك الأحكام التعسفية على الناس المهمشين .. وبدا ذلك من أول الرواية :
(( أمك غلطانة. إيه يعني ولد ولا بنت ده أنتي عند جدك بكل الصبيان .
ـ بس برضو أمي زعلانة دايما من كلامها ،ثم سكتت قليلا وهي تتطلع إلي وجه جدتها الرائق وأضافت:
ـ هوه إحنا وحشين يا ستي؟ )
أن ذلك وعى تام بالواقع ، لكنها تعكس في ذات الوقت رغبة عميقة بواقع مختلف .. وإذا كان الحوار السابق يعبر عن الواقع الثقافي الذي يعشش ويسيطر على المجتمع ، فأن سؤال الإدانة الذي حرصت هويدا صالح على طرحه على لسان الطفلة ( هوه احنا وحشين ياستى ؟ )
هو سؤال حي ينم عن أزمة ثقافية / فكرية تواجه مجتمعا بأسره .. السؤال من جهة أخرى يعبر عن معاناة إنسانية تمس أفراد ..
والسؤال جاء على لسان طفلة .. والطفلة مازالت في دور البراءة .. فلم يعشش أو يترسخ في نفسيتها الواقع الثقافي .. لذا يكون السؤال جاء من خارج ذلك الواقع ..فهو يجسد بذلك حالة من الاغتراب ، اغتراب نتج عن أزمة يعيشها المجتمع ، أوجدت مسافة بين الإنسان والمجتمع الذي يعيش فيه .
————————–
يمكن مراجعة النص الكامل للرواية على الرابط التالي :
http://www.arabicstory.net/forum/index.php…p;hl=عمرة+الدار
———————–
تعليق حسن غريب
الصديق الغالي / سعيد رمضان
شكرا لك علي هذه القراءة في رواية ((عمرة الدار )) للروائية والناقدة هويدا صالح ,والتى تعمقت بها جدا وقد تصل الي اكثر من مسمي قراءة بل هى دراسة عميقة الاثر فشكرا لك من كل قلبي لاننى حقا استمتعت بها جدا وبكل فقراتها ووحداتها الفنية والتقنية.
————————–
تعليق هويدا صالح
العزيز الغالي بجد وبدون مجاملة سعيد رمضان
أسعدتني أمس باتصالك
واليوم بقراءتك النقدية
ربما ستعرف يوما حجم الجمال الذي تسرسبه للآخرين ببساطة ومودة يا سعيد
لك تحيتي
سحبت الدراسة علي الفلاشة لأقرأها علي مهل لأنني ليس عندي نات في المنزل
والصديق الشاعر الجميل إسلام شمس الدين طبعها أمس وسآخذها منه بعد غد في المجلس الأعلي
شكرا لك يا أخي العزيز
————————
تعليق الدكتور زكى العيلة
وإذا كان مضمون النص الروائي (عمرة الدار ) هو التنوير .. فالكاتبة بوعي تام لم تسن شفراتها وتسيل الدماء بعمليه صدام أو تمرد علنية .. بل تغوص في الباطن بوعي حاد بغية توليد أجنة للمستقبل .. لذا فهي تعطى للشخصيات أهميتها وترسم ملامحهم بشكل أمين وصادق .
وأحب أن أشير أن عالم الأسطورة لم يغلق امام الكاتبة .. لأن حسها ليس تقليديا .. بل إبداعيا يبحث عن شواطيء مجهولة .. هي تدخل إلى عالم الجن وأساطيرهم الخاصة .. إنها تندمج فيها بفعل حر وخلاق لتعبر عن القوى الكامنة في الإنسان .مما أطلق الرواية في فضاءات رحبة غير محدودة)
لقد وضع العزيز سعيد رمضان بوصلته جهة مكنونات الرواية وانسياباتها التي تأسرك وتشد أنفاسك، شخوص حقيقية تتحرك أمامك ممتلئة بالحياة، تعيشها وتتعايش معها، وتحس أنك تعرفها منذ زمن بعيد، فتفرح لفرحها وتحزن لوجعها.
الرواية مفاجئة من حيث أنها تمنحنا شخوصاً نسوية من دم ولحم ليس لها علاقة ببعض القضايا التي تتكئ عليها بعض الأقلام الشعاراتية في هذه الأيام.
دراسة عميقة لرواية تستحق
—————————-
تعليق شريف صالح ( ناقد )
العزيز سعيد رمضان
شكرا لك على هذه الاضاءة واضح جدا قدرتك على اقتناص اهم الخطوط التي تعالجها الرواية
وبدا لي من قراءتك ان الرواية في اجزاء منها سيرة ل هويدا نفسها
ومبروك ل هويدا صالح المبدعة والاخت الغالية صدور الرواية
لا اعرف هل سأقوى على قراءتها على الانترنت؟ ألم أخض هذه التجربة اطلاقا من قبل
قراءة كتاب كامل على شاشة مستفزة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























