قراءة في رواية عمرة الدار
لهويدا صالح
—————–
سعيد رمضان على
—————–
صدرت رواية عمرة الدار للروائية هويدا صالح من الهيئة العامة لقصور الثقافة 2007 بعدد صفحات ( 198 ) صفحة قطع متوسط .
تتوسع دائـرة الأحداث في الرواية وتحركات أشخاصها لتعبر عن معاناة يومية مـع متطلبات الحياة، بكـل أفراحها و مسراتها، أحـزانها و آلامها… شخـوص بسطاء يعتمـدون فى قـوتهم اليومـي على وسائـل موغلـة في القـدم مثل ( الفرن الطينى ) وطرق الخبيز القديمة والبطاطا المشوية فى جمر النار
يتمسكـون بأعرافهم المحلية في الحياة والموت، ، لدى بعضهم مرونـة البنيـات الاجتماعيـة وبساطة الحياة لكنهم يعيشون الفاقة والحرمان ، الألم والموت .. بساطة الحياة الإنسانية تظهر في التضامن الذي يشع من بين السطور ..
اعتمدت الكاتبة جملة من العناصر :
ـ الأعتماد على الشخصيات البسيطة واعتماد تلك الشخصيات للتعبير عن قضايا هامة مثل الحرية وحق الحياة والتنوير بالإضافة إلى التسامح الديني الذي ظهر واضحا جليا داخل المتن وكذا التمسك بالهوية والطقوس والتقاليد والحياة التي يعيشونها واللغــة التي تربطهم بتلك الحياة
ـ إبراز دور هؤلاء البسطاء في صنع تاريخ بلدهم ، هؤلاء المهمشين في الحياة الذين لا يعرفهم احد
ـ الإسهاب في وصف التفاصيل الجزئية، بدقة بالغة ، مما يدل على خصوبة معرفه بحياة هؤلاء البسطاء وبلسانهم وأغانيهم ( المووايل )، كأن الكاتبة تكتب سيرة حية عايشتها بكل تفاصيلها
يتصل الناس في الرواية بعلاقات حميمة وإنسانية عميقة، بكل أفراد عمرة الدار حتى الجنية داخل الفرن وأطفالها :
( لموا عيالكم النار جيالكم ) ( صفحة 33)
وكذلك بالوسط الذي يعيش الناس بداخلة ، بالهواء والماء ، بالحيوانات ، بالليل والنهار ، بالصيف والحر بالشتاء والبرد ، مما يشكل مخزون الذاكرة الجماعي لبعض الناس الذين يحيون في بساطة تامة، هـؤلاء المتشبثون بأعرافهـم التي فى اعتقادهم توفــر لهم الأمــن والاستقرار…
كاتبة فنانة تلك التي سطرت السطور ، دخلت المدارس وتدرجت في الأوساط المثقفة وحصلت على شهادات في النقد ، لكنها لم تنس هؤلاء البسطاء من الناس ، ظهرت شخصيتها في تسامحها الديني وأفكارها التنويرية داخل المتن .. لها معرفة وخبرة واسعة بشؤون الحياة، باللسان والأعراف بالثقافة.. مؤكد إنها لمست الشقاء و المحن .. اللذان لا يدعان المرأة تعيش بسلام منذ صغرها ، تعيش المرأة في عمق الظلام .. بلا ضياء ولا نجوم .. رغبتها في الارتباط بالجذور واضحة ويقينية.. بالأرض والتاريخ .. بالأعراف والتقاليد .. لكنها لاتسمح للتقليد باستعبادها ومحو وجودها .
بل ترفض بصبر غريب كل نواحي الاستعباد .. وتقاوم جرح الجسد والروح .
أما الأطفال الصغار .. فهم براءة الحياة ..يتمرغون في التراب ويلعبون وتنطق ألسنتهم بأسئلة تعجز الكبار … يرضيهم كسرة الخبز وبعض العسل من الزلعة
يغنون ويلعبون .. حاملين معهم جمال الدنيا ..
يسمعواالحديث عن الكبار وعن العادات وعن الجنيات ، لا يفهموا لها معنى
لكنهم يعشقوا الحياة ويبثوا حبا طبيعيا لانهاية له .. يبدون كالملائكة أوفياء بروحهن لطفولتهن .
في الرواية حوارات ومقاطع تكشف عن كل ذلك :
( كثيرا ما قارنت بين القنديل المعلق في سقف المقعد وقنديل أم هاشم في الحرم الزينبي . )
( أمك غلطانة. إيه يعني ولد ولا بنت ده أنتي عند جدك بكل الصبيان .
ـ بس برضو أمي زعلانة دايما من كلامها ،ثم سكتت قليلا وهي تتطلع إلي وجه جدتها الرائق وأضافت:
ـ هوه إحنا وحشين يا ستي؟ )
احتضنتها الجدة سريعا وقالت بحدة :
ـ لأ يا عين ستك أنت وإخواتك ما شاء الله ربنا يبارك فيكم بس هنقول إيه عقل نسوان فاضي .
ـ تعرفي يا ستي ناهد أختي شاطرة هيه كمان أشطر من كل ولاد عمي الصبيان حتي المدرسين دايما بيسقفوا لها، و ميرفت كمان . كلنا شاطرين .
ـ بكرة ربنا ينصفكم وينصف أمكم )
وفى الصفحة (160)
(في الصباح انشغلت بسلوى وميرفت الذاهبتين إلي الامتحان في المركز .نادت علي محمد ابنها الصغير أن يذهب إلي المقدس حنا ، سوف تركبان معه ويوصلهما لمدرسة المركز . عمر لا يطمئن عليهما إلا إذا ركبا مع المقدس الذي يناديه كل أحفاد الشيخ صالح بعمي حنا )
وغير ذلك كثير في الرواية .. وهناك توازى بين مقطع ورد فى بداية الرواية عن قنديل أم هاشم ومقطع ورد في صفحة (37) :
(. جمعت ثقافته بين علوم الشريعة وعلوم الحقيقة ، وهما وجهان لعملة واحدة، الوجه الأول ظاهر للعام والخاص أما الوجه الثاني باطن لا يطلع عليه إلا الخواص . من ينظر إلي الشيخ صالح وهو يمسك بالفأس ويعلو بها في الهواء ثم ينزل بها ، ليقطع بعض الأخشاب ليتدفأ بها أو يصنع منها أوتاداً للبهائم ، ويربط وسطه بطرف جلبابه ويعتدل من فترة لأخرى ليجفف عرقه أو يشرب بعض الماء من القلة التي يلفها بقطعة خيش يحرص علي أن تظل مبللة ، حتى تحافظ علي برودة الماء لا يصدق أنه نفس الرجل الذي يتوسط حلقة الذكر ويعلو صوته بالإنشاد بقصائد ابن الفارض أو ابن عربي .)
وهو مقطع يذكرنا بكتاب أحياء علوم الدين للإمام الغزالي ، الذي يذكر فيه الظاهر والباطن .. نذكر هذا التوازي بين المقطعين .. لأن قنديل أم هاشم يستدعى رواية يحي حقي بنفس الاسم …
فدكتور يحي حقي (إسماعيل) يبدأ رحلة علاج فاطمة بعلاج مسنود عل
























